حافظ قُندس الاسير اليافوي وحكاية اكثر من ربع قرن في السجن
حافظ .. اسم ليس ككل الأسماء ، فهو الحافظ والحارس ، وهو من حفظ مكانة شعبه وقضيته ووطنه في حدقات عيونه وفي فؤاده ، وحافظ على مبادئه وأخلاقه وإخلاصه لكل من أحبهم وانتمى إليهم وسكنوا عقله ووجدانه ، فهو حافظ على شمعة الأمل ، وحرَّس الحلم الذي لازال قائماً رغم مرور 27 عاما في الأسر .
فحافظ هو الأسير الفلسطيني الشامخ رغم قسوة السجن وهمجية السجان ، وهو أحد قدماء الأسرى و يحتل الرقم الثاني عشر على قائمتهم عموماً ، والرابع على قائمة أسرى الداخل من حيث الأقدمية ، واليوم يكون قد تمم عامه الخامس والعشرين في الأسر ، ربع قرن بالتمام والكمال ، ليبدأ غداً عامه الأول بعد الربع قرن ، فأي حافظ أنت يا حافظ وأي الكلمات تلك التي يمكن لنا انتقائها كي نحفظ لك حقك فينا ولدينا ونحفظ تاريخك في سجل شعبك الناصع ، ونحافظ على علاقتنا بك أيها الحافظ للعهد .

انه الأسير حافظ نمر محمد قندس ( 51 ) من مدينة يافا الجميلة ، يافا العربية الفلسطينية الساحرة بمنظرها وجمالها الخلاب وجوها العطر وعبق رائحة ترابها ، يافا عروس البحر كما رآها حافظ وأمثاله ، أرض البرتقال الحزين كما وصفها غسان كنفاني ورفاقه ، يافا المدينة العتيقة بآثارها التاريخية وحضارتها المشرقة التي كانت وستبقى عربية فلسطينية كما يراها شعبه الفلسطيني
وفي أحد بيوت يافا العتيقة ، وبين أزقتها وشوارعها نشأ ” حافظ ” ، وترعرع في كنف عائلة عربية أصيلة عرفت كيف تربي أبنائها وتوفر لهم عوامل التنشئة السليمة ، وعرفت كيف تساهم في تنمية الحس والشعور الوطني والقومي لديهم ، فكبر حافظ وكبرت معه القضية شأنه شأن الكثيرين من أمثاله من فلسطينيي الداخل ، ليؤكدوا بأنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ، فانخرطوا في النضال بكل أشكاله ، فمنهم من دفع حياته ثمناً لذلك ليلتحق بقافلة الشهداء ، ومنهم من أفنى زهرة شبابه وسنوات طويلة من عمره في غياهب سجون الاحتلال ، فيما لا يزال الكثيرين منهم قابعين هناك خلف قضبان السجون بانتظار المجهول ، يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة القاسية والانتهاكات الفاضحة لحقوقهم الأساسية كونهم جزء أساسي من الحركة الوطنية الأسيرة ، بل وفي كثير من الأحيان يعانون أكثر من غيرهم جراء فصلهم وعزلهم في أقسام لوحدهم ، ناهيكم عن المواقف المؤلمة في التعاطي مع قضيتهم
والأهم أن من بين هؤلاء يوجد عشرين أسير ضمن قائمة الأسرى القدامى وأقل واحد منهم مضى على اعتقاله خمسة عشر عاماً ، فيما بينهم ( 16 أسير ) مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين عاماً ، ويعتبر الأسير سامي خالد يونس ( 79 عاماً ) المعتقل منذ ستة وعشرين عاماً ونيف هو عميد أسرى الداخل جميعاً .
أما الأسير ” حافظ قندس ” فانه يحتل المرتبة الرابعة على قائمة أسرى الداخل من حيث الأقدمية ، وهو ومن تقدموا عنه على القائمة قد تجاوزوا الربع قرن في الأسر .
” حافظ ” تم اعتقاله في الخامس عشر من مايو / أيار عام 1984 ، وكان عمره آنذاك ( 26 عاماً ) لكنه لم يكن متزوجاً ، وحكم عليه بالسجن الفعلي لمدة ثمانية وعشرين عاماً ، قضى منها ربع قرن بالتمام والكمال ، متنقلاً ما بين كافة السجون تقريباً ، فيما هو موجود الآن في سجن بئر السبع ، وغداً قد ينتقل إلى سجن آخر ، هكذا هو حال الأسرى .
وتنقلاته ما بين السجون وعدم استقراره ، تفاقم من معاناة والدته المسنة ” أم حافظ “التي قالت خلال حديثها مع الاخ فراس العمري رئيس مؤسسة يوسف الصديق (( أنها تذهب لزيارة ” حافظ ” أينما كانت وأنها تعد الأيام الفاصلة مابين زيارة وأخرى باليوم والساعة ، وأنها لم تترك زيارة واحدة إلا وتذهب لزيارته لتُكحل عيناها برؤيته حتى وان كان ذلك من خلف الأسلاك أو ألواح الزجاج ، وأنها عرفت كافة السجون رغم كبر سنها وما تعانيه من أمراض وما تسببه لها الزيارة من إرهاق ومتاعب ومضاعفات ، ولكن هذا من أجل رؤية ولدها يهون – هكذا قالت – )) ،
وهذا يعني بان المعاناة لم تقتصر على الأسير ” حافظ ” فحسب ، بل تمتد لطال والديه ولمن يسمح لهم بزيارته من شقيقيه ( إبراهيم وأحمد ) والأول توفى منذ سنوات والثاني ممنوع من الزيارة منذ سنوات طويلة ، فيما في الغالب يسمح لشقيقتيه ( وفاء وفاتنة ) بزيارته ،
والزيارات مؤلمة وقاسية ، مؤلمة بكل ما تعنيه الكلمة من معاني وما يصاحبها من عذاب وإرهاق ، فيما فقد والده وشقيقه إبراهيم دون أن يودعهما ويلقي عليهما نظرة الفراق الأخيرة ، ولم يسمح له سوى بالحضور مباشرة من السجن للمقبرة لحظة دفن جثامينهما ومن ثم إعادته للسجن ، وفي صورة صعبة جديدة فإن الحالة الصحية لوالدته المسنة ” أم حافظ ” ( 75 عاماً ) قد تدهورت في الآونة الأخيرة ، ويكاد يفقدها دون أن يراها كما حدث مع والده وشقيقه – لا سمح الله – .
وفي هذا الصدد وخلال حديثي معها عبر الهاتف (( دعت الله أن تُكحل عيناها برؤيته دون قضبان وأن تحتضنه دون حواجز وأن تنام معه في بيتها دون حراسات قبل الرحيل الأبدي .. )) اللهم تقبل دعواها وحقق لها أمانيها .
وفي العام 1997 تمكن حافظ مع مجموعة من الأسرى على مدى شهور من حفر خندق طويل أوصلهم إلى مكان الزائرين في محاولة منهم للهرب ، وبالفعل تمكنوا من الوصول إلى حيث قرروا ولكن بعد خروجهم انكشف أمرهم ففشلت محاولتهم .
وبعد مرور ربع قرن لا زال حافظ على الأمل يحيا ، ينتظر السنوات القليلة المتبقية من فترة حكمه ، لينعم بالحرية وليعود إلى بيت العائلة الدافئ ولشوارع يافا الجميلة التي اشتاقت له ، ليستنشق هوائها العطر ويستمتع بجمالها الساحر ومناظرها الخلابة وساحلها الجميل ، فلا زالت صورتها عالقة في أذهانه كما عرفها في طفولته .
ولكن إذا كان حُلم حافظ بالحرية سيتحقق في الربيع القادم علينا ، ونأمل أن يكون قبل ذلك بكثير وذلك بعد أن تبين له انه لم يتم ادراجه في صفقة شاليط ، فان الآخرين من رفاق دربه وأصدقاء القيد والمعاناة ، قدامى أسرى الداخل قد لا ينعمون بذلك على المدى القريب ، ولربما قد لا يتمكنوا من العودة لديارهم في المثلث وباقة الغربية ويافا والرملة وكفر قاسم وأم الفحم و لسنوات طويلة قادمة ، لاسيما في ظل نسيانهم وتهميشهم وعدم إدراجهم ضمن صفقات التبادل أو ضمن الإفراجات السياسية ، مع أنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وجزء أصيل من الحركة الوطنية الأسيرة ، وللتذكير فان عشرين أسير منهم قد تم اعتقالهم منذ ما قبل اتفاقية أوسلو 1993 ،
صور لزيارة وفد مؤسسة يوسف الصديق لوالدة الاسير
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
























لن يتم نشر اي من التعقيبات التي تتناقض مع شروط استخدام الموقع وهذا يشمل التعقيبات التي تحتوي على كلمات تحريض ، تشويه للسمعة او شتائم