محمد صلى الله عليه وسلم والشباب
يحكي أحد شباب الصحابة (خوات بن جبير) رضي الله عنه عن موقف حصل له في احدى سفراته مع الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانت خيمته بجوار خيمة الرسول….فيقول : فخرجت فاذا بنسوة يتحدثن….فأعجبنني… !!…فرجعت –للخيمة – فاستخرجت منها حلة – ثوب جديد- فلبستها وجئت فجلست معهن….فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من خيمته فرأى خوات بجوار النسوة فنظر إليه وسأل : أبا عبدالله ما يجلسك معهن ؟…فيقول خوات : فلما رايت الرسول صلى الله عليه وسلم هبته واختلطت– ارتبكت – فقلت : جمل لي شرد فانا أبتغي له قيدا…(أي انه قدم للرسول اي عذر ليبرر فيه جلوسه مع هؤلاء النساء)…فتركه صلى الله عليه وسلم…
هذه من أروع القصص التي قرأتها عن تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الشباب المخطئ واستفدت منها شخصيا الاتي:
- التربية ليست بكثرة الكلام ففي كل هذه القصة لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم سوى اربع كلمات (ما فعل شراد جملك)…فلم يخطب الرسول في الشاب ويعطيه محاضرة طويلة عن الأخلاق.
- التربية ليست بالتدخل في شئون الغير والتمحيص في نوايا الناس…فرغم أن الرسول يعلم ان “حجة” خوات ليست صحيحة وان سبب جلوسه لم يكن الجمل ومع ذلك فلم يحرجه ولم يحقق معه أمام الناس ولم يستجوبه..ولكن ماذا فعل ؟؟ تركه !! فقط نظر إليه ثم تركه صلى الله عليه وسلم…ثم بادره “بمزحه”حول موضوع الجمل كلما رآه !!! وهو تطبيق عملي للرفق واللين وتصديق لقوله تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) !! نعم انفضوا !!مع انك رسول الله يا محمد (صلى الله عليه وسلم) ومع انه ينزل عليك كلام الله..ومع انك تنطق بالحق…ولكن حتى مع كل هذا لو كنت فظا لانفضوا من حولك !!! فصدق الشاعر عندما قال : والحق قد يعتريه سوء تعبير !!
- تخيلوا لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعامل مع خوات بشكل آخر…عندما رآه ذهب إليه غاضبا وصرخ في وجهه : ماذا تفعل ؟؟ ألا تستحي ؟؟ ألا تعلم اني رسول الله !! ألا تعلم ان الله يراك ؟؟ من هؤلاء النسوة اللواتي تجلس بجوارهن ؟؟ اعترف !!! هذه اخر مرة اراك تفعل ذلك وإلا سيكون تصرفي معك تصرف اخر وهذا اخر تحذير…هيا انصرف من هنا !!!…..فقط تخيلوا !!! هل كان هذا الأمر”سيصلح” من حال خوات ؟؟ ام يحرجه ويعرضه لصدمة نفسية قد تؤدي به إلى التمادي في الخطأ بدلا من الخجل والاعتذار ؟؟ انا عن نفسي لا أستطيع تخيل ذلك الموقف مطلقا !! ليست هذه الصورة التي في ذهني عن حبيبي الرسول !! وليس هذا تعامله ولا أسلوب دعوته حتى مع المخطئين…
- حياء الصحابة…فالمسألة ليست “عناد” المسألة مسألة ان الصحابي الشاب جاءته لحظة ضعف بشري (ومن منا لا تأتيه لحظات ضعف) ولكنه عندما استوعب خطأه لم “يعند” ويصر ويتكبر ! خجل من نفسه واعتذر
- مداعبة الرسول لخوات عجيبة !! فلم “يكبر”الرسول صلى الله عليه وسلم المسالة ولم يتهمه بالكذب ! ولم يفتح تحقيقا…ولكنه”جاراه” وكما يقال بالعامي – مشي معاه في كلامه – إلى أن عاد خواتا من نفسه…وهذا من أروع وأحكم أساليب “الدعوة”
- الرسول صلى الله عليه وسلم كانت له “هيبة” لم تأت بالصراخ والتجسس وكثرة الكلام…بل ان تواضعه وحيائه و”حكمته”ومعرفته متى يغضب ومتى “يتغاضى” عن أخطاء الآخرين…هذا هو ما أوجد هذه”الهيبة”…فقد كان “بسام المحيا” أي أن الأصل في علامات وجهه كان التبسم وليس “العبوس” فالعبوس كان في حالات نادرة جدا اذا رصدناها في كل سيرته لرأيناها تعد على الأصابع المرات التي غضب فيها صلى الله عليه وسلم واحمر وجهه…فقد كان الأصل التبسم !
أحمد الشقيري



















لن يتم نشر اي من التعقيبات التي تتناقض مع شروط استخدام الموقع وهذا يشمل التعقيبات التي تحتوي على كلمات تحريض ، تشويه للسمعة او شتائم