«حجاب النعامة» ثورة على الأزياء أم على الأخلاق؟
نادت هيفاء أمها في الصباح الباكر؛ لا لشيء إلا لتساعدها في ارتداء ملابسها الجديدة التي تعجز عن ارتدائها بمفردها، والمثير في الأمر أن هيفاء التي اضطرت الى استدعاء أخيها الصغير ليساعدها في سحب ما تبقى من (البرمودا) كانت معجبة جدا بملابسها التي تظهر للناظر أدق تفاصيل جسدها. وأمام استغراب الأب.
"أشعر بالارتياح وانا ارتدي هذا اللباس".. فقط، هذا ما كانت الفتيات يرددنه كلما سألتُ إحداهن في عدد من المولات التي تجولنا فيها عن الزيّ الذي يقع منتصف المسافة بين "الحجاب" وهو هنا غطاء الرأس، وبين الملابس العصرية "الجينز الضيق" و"البلوزة الضيقة". وتشاء المصادفة ان ألتقط وصفا طريفا لاحد أصحاب المحال الذي قال: نحن نبيع الملابس لمن تطلبها ولا نتدخل في الذوق. ولا فرق عندنا إن كان الحجاب/عصريا او "حجاب النعامة". المهم اننا نوفر ما نجد عليه اقبالا من الزبائن.
ومن الظواهر الجديدة ايضا ما يُعرف بالـ "بفّ" او "علبة لبن" وهي لمن لا يعلم، تسريحة "نافشة" او منفوخة تستخدم صاحبتها "بُكلة" ضخمة يسمونها "دجاجة" تثير النظر لصاحبتها. وكذلك بالنسبة لـ"حجاب النعامة" الذي يتكون من "بنطلون جينز" يسمّى "جزرة" او "سكِني" يتكون من بلوزة ضيقة "بَدي" قصيرة، وتكون "غُرّة الشّعَر" في منتصف الرأس. ويضاف الى ذلك "كوي الشعر " بالسشوار ومعها تكون الأظافر الصناعية او الممصبوغة بالمناكير.
وتقول دنيا (طالبة جامعية) ان بعض الفتيات يبدلن ملابسهن العادية في الجامعة، فتكون الطالبة بوجهين اجتماعيين: واحد تخرج وتعود به الى البيت، والآخر تظهر به أمام الناس فقط وهو "حجاب النعامة".
ويفسر الدكتور حسين خزاعي استاذ علم الاجتماع هذه الظاهرة الغريبة، قائلا: يبدو اننا شهدنا مثل هذه الملابس مع انتشار الفضائيات واختلاط العالم عبر الانترنت واطلاع الفتيات على الموضة عبر وسائل الاتصال السريع. والاردن، يضيف الدكتور الخزاعي: أكثر الدول انفتاحا على التجارب وعلى الآخرين وخاصة بما يتعلق باللباس والطعام و" الإتيكيت". وحين سألناه عن تفسيره الاجتماعي لظاهرة " حجاب النعامة " قال : ربما كان هذا نوعا من الإلتفاف على العادات والتقاليد. فالنساء اعتدن في السنوات السابقة ارتداء " الايشارب" او " المنديل" او " الطرحة داكنة اللون ". وكان ذلك سلوكا مرتبطا بالعادات والتقاليد وايضا الدين. لكن وبعد عام 1993 تحديدا برزت في شوارعنا ومحالنا وبيوتنا والاماكن العامة والخاصة والجامعات والمدارس ومختلف المؤسسات فتيات ونساء يرتدين ما يمكن تسميته " نصف حجاب"، ونحن هنا نقصد غطاء الرأس وبايشارب ملون. بينما يكون هناك البنطلون والقميص الضيق الذي يثير الناظر ويلفت الانتباه. وصار من الطبيعي ان ترى الفتيات يرتدينه في برامج التلفزيون وفي المسلسلات. ولعل " حجاب النعامة " بات يرتبط بظاهرة " البنطلون الساحل " للرجال والنساء على السواء. او ما يوصف بالملابس المشتركة. ويؤكد الدكتور حسين الخزاعي ان هذه إحدى ثمار الغزو الثقافي لحياتنا في جانب اللباس. وبحسب الدراسات، يقول الدكتور الخزاعي، فإن الاردن ثالث دولة في العالم العربية استخدم اهلها الانترنت وبذلك انفتحنا على العالم الخارجي.
ويزيد الخزاعي بوصف " حجاب النعامة " قائلا : إنه لباس مثير وملفت للنظر وأصبح يُستخدم للفت الانظار وبخاصة حين يتم اختيار الألوان الفاقعة مع كشف لمناطق في الجسم او ابرازها. كل ذلك بسبب ضعف التوجيه ومنحنا اولادنا الحرية المطلقة ضمن ما بات يُعرف بالحرية الشخصية.
غطاء وليس حجابا
"ألوان صاخبة وملابس ضيقة ومساحيق جذابة تملأ وجوههن المحاصرة بغطاء على الرأس أو ما يسمونه "الحجاب".. هذا المشهد أثار تساؤلا لدى إحدى الفتيات الأجنبيات التي جاءت لزيارة واحدة من جامعاتنا ، وهو ما دفعها لطرح سؤال بدا غريبا للوهلة الأولى عندما كان سؤالها موجها إلى احدى الفتيات اللاتي يرتدين زيا شرعيا في الجامعة عن سبب إرتدائها للباس الشرعي الكامل، فقد جلست تنصت الى حديث تلك الفتاة "الشرعية" التي بدأت تحدثها عن تعاليم ديننا وعن الفروض التي يلزمنا باتباعها إسلامنا فيما يتعلق بطبيعة اللباس الساتر للمرأة والذي لا يكشف ولا يشف ولا يصف مفاتنها، الا ان مرور احدى الفتيات التي ترتدي حجابا على رأسها وبنطالا ضيقا يكشف عن مفاتنها،جعل الفتاة الأجنبية تقاطع حديث جليستها لتوجه اليها سؤالا وهي تشير باصبعها الى تلك الفتاة التي عبرت من امامهما تاركة رائحة فواحة من عطرها المثير قائلة: هل هذه الفتاة تنتمي الى نفس ديانتك؟. ويقول سفيان عبادة: ان كل فتاة ترتدي حجابا ولا تلتزم بارتداء ملابس فضفاضة تكون على الاغلب مجبرة على ارتدائه وهي بهذه الطريقة تحاول ان ترضي من اجبروها على ذلك، وفي نفس الوقت تتعمد ارتداء ملابس ضيقة والوان صاخبة للتعبير عن حالة السخط والرفض التي فرضت عليها بارتدائه.
اكسسوار
وترى سندس ابراهيم (فتاة محجبة) أن بعض الفتيات حوّلن الحجاب من (تكليف شرعي) إلى "إكسسوار"!!.. يقول مروان حمزة الذي يملك معرضا لبيع الملابس النسائية: (الحجاب المودرن مصطلح عامي أطلق على أحدى الموضات التي لا يرغب في ارتدائها الا عدد قليل من الفتيات ذلك لان هذا النوع من الملابس التي تتألف من (بنطلون ضيق وبدي ) تكون ضيقة جدا، كما أنها تظهر أدق التفاصيل في جسد المرأة وهي مخصصة للقوام النحيف او الرشيق).
ويضيف : على الرغم من عدم شرعيتها ألا أنني وبحكم عملي وجدت إقبالاً شديدا عليها من قبل "الراغبات بهذا النوع من الملابس". وبهذا، والكلام ل حمزة، فقد حوّل لبس هذا النوع من الملابس "الحجاب" من كونه تكليفا شرعيا الى قطعة قماش لابد من وضعها على الرأس ويضيف:- على الرغم من ان هذه الموضة موجودة منذ سنوات.
وينقسم المجتمع بين مؤيد لحرية الإنسان فيما يرتدي وبين واصف ذلك التطرف بالاعتداء على الشريعة والمجتمع، ويقف قسم ثالث ليضع قيمة الأناقة والجمال فوق الاعتبارات الأخرى. وفي استبيان أجرته احدى أعضاء منظمات المجتمع المدني حول أسباب ظاهرة التحرش بالفتيات أظهرت نتائجه أن الملابس اللافتة ومنها " حجاب النعامة " تعد احد الأسباب الرئيسة في تعرض الفتاة للتحرش سواء باللفظ او من خلال الفعل.
ويشير مختصون في علم النفس الى أن اعتداد الشخص بمظهره الخارجي واهتمامه المبالغ في ما يرتدي لدرجة التطرف ما هو إلا محاولة لتعويض النقص الذي يشعر به، وبغض النظر عن كون ذلك النقص من الوهم او أنه نقص حقيقي.
مسألة
رنا أكدت أنها محجبة عن قناعة تامة بأهمية هذه الخطوة وقدسيتها، وضرورة احترام الزي الاسلامي، بكل تفاصيله وعلى اصوله، رافضة مبدأ ارتداء الحجاب والوقوف على أدق تفاصيل الموضة، ذلك انه يمكن للفتاة ان تتحجب وبالمقابل يكون الحجاب أنيقا وحضاريا.
تغريد تعتبر الحجاب مسألة دينية هامة، لكن من حق الفتاة المحجبة ان ترتدي ما تشاء وهي حرية شخصية ليس من حق اي شخص التدخل بها، وهي خصوصية في علاقة الانسان بدينه.
سوزان رأت من وجهة نظرها ايضا ان ارتداء الفتيات للحجاب بالصورة التي يرغبن بها مسألة شخصية لا علاقة لاحد بها، كما انه من حق الفتاة ارتداء ما تريد وان تسير وفق الموضة، بالصورة التي تريحها، ويجب مراعاة متطلبات المرحلة، وبالمقابل رغبة الشباب بالعيش بروح العصر وعدم فرض قيود عليهم تزيد من تعقيدات الحياة. سامح عبد المجيد اعتبر الحجاب مسألة دينية مقدسة يجب احترامها، لذلك يجب ان يكون قرارا فرديا من الفتاة نفسها وألا يجبرها عليه احد حتى تكون حالة التطبيق نموذجية، ولعل عدم التزام الفتيات الان بأصول الزي الاسلامي نابع بالدرجة الاولى من أنهن أرغمن على ارتدائه فكانت النتيجة كما نرى الان. خلود أكدت أن الحجاب نعمة من الله تعالى يجب صونها، ولكن فتيات هذا الزمن يردن إمساك العصا من النصف، فهن يردن الحجاب لغايات مختلفة منها ديني ومنها اجتماعي، وبالمقابل يردن السير وراء الموضة وأنا برأيي ألا نرفض الفكرة؛ لانها في مضمونها ايجابية، وحتما ستوصل الفتاة -فيما بعد- الى حجاب شرعي متكامل.
رأي الشرع
وصف استاذ الشريعة الدكتور عودة أبو ريشة «الحجاب المودرن» او «حجاب النعامة» بأنه بدعة تسيء لديننا الحنيف الذي جاء موضحا ومحددا لشروط اللباس الشرعي للمرأة المسلمة.
وقال: ان الهدف الاساسي للحجاب هو اتقاء الفتنة وعدم لفت نظر الاخرين، ومن شروطه ان لا يكون شفافا ولا ضيقا ولا يظهر مفاتنها وان يكون مستوعبا لجميع بدنها، وان لا يكون فيه تشبه بلباس الرجال وهذا ما نشاهده الان في بعض الفتيات اللواتي يرتدين البنطال الضيق ويظلمن الحجاب بارتدائه.
ودعا الدكتور عودة ابو ريشة كل فتاة «محجبة» الى احترام دينها وتعاليمه التي فرضها الله عليها وان لا تسيء له من خلال ارتدائها الملابس الضيقة والتبرج اللافت للانتباه.الدستور



















لن يتم نشر اي من التعقيبات التي تتناقض مع شروط استخدام الموقع وهذا يشمل التعقيبات التي تحتوي على كلمات تحريض ، تشويه للسمعة او شتائم